تحت أضواء القاهرة الساطعة، والهواء مشبع بحرارة أواخر الخريف، بدا محمد صلاح لا يُمس مرة أخرى. هدفان. أمة واحدة تتنفس الصعداء. ومع ذلك، أعاد قائد مصر بلاده إلى أكبر مسرح كروي — كأس العالم لكرة القدم.
ليلة بدأت بالتوتر وانتهت بالنشوة، حيث مزّقت مصر جيبوتي 3-0 لتضمن صدارة المجموعة الأولى في التصفيات الإفريقية. هذا الفوز ضمن مكانتها في بطولة 2026 في أمريكا الشمالية، مع تبقّي مباراة واحدة فقط.
من الألم إلى القوة
قبل سبع سنوات، صعد صلاح إلى المسرح العالمي كرجل مجروح. كان يجب أن يكون كأس العالم 2018 في روسيا لحظته — عودة مصر إلى الأضواء العالمية بعد غياب يقارب الثلاثة عقود. لكن، أصيب على مستوى الكتف خلال خسارة ليفربول في نهائي دوري أبطال أوروبا أمام ريال مدريد، مما جعله غير مكتمل اللياقة ومثقلًا بالهموم. خسرت مصر جميع مباريات المجموعة الثلاث.
لكن ما يميّز صلاح هو أنه لا يختفي؛ بل يعيد ضبط نفسه. في عام 2025، يتحرك بدقة لاعب يعلم أن قصته لم تنته بعد — أكثر حدةً ذهنيًا، أشد تركيزًا في هدفه، وما زال مدمرًا في أدائه.
لمسة القائد
أمام جيبوتي، كان صلاح مثالًا للكفاءة والأناقة — هدفان حاسمان حملا في طياتهما الحتمية والإصرار. أضاف إبراهيم عادل الهدف الثالث لمصر، لكن صلاح هو من حول المباراة إلى حدث أعظم: إعلان عودة مصر مرة أخرى.
هو ليس قائدًا يصرخ؛ بل يقود بالإيقاع، لا بالنبرة. هناك سلطة خاصة في طريقة لعبه — إيقاع يمزج التواضع بالتحكم الكامل. كل انطلاق، وكل توقف يبدو محسوبًا، وكأنه عمل فني. لهذا السبب يتجاوز صلاح حدود الرياضة. فهو أكثر من مهاجم؛ إنه جمالٌ قائم بحد ذاته.
إفريقيا تستيقظ
تأهل مصر يضمن لها مكانًا بين تسعة ممثلين لإفريقيا المتوجهين إلى كأس العالم 2026، التي ستستضيفها الولايات المتحدة وكندا والمكسيك. يُكافئ النظام الجديد — تسعة متصدرين للمجموعات دون تصفيات إضافية — الثبات على الأداء بدل الفوضى، وقدمت مصر كلا من الموهبة والهدوء النفسي على مدار حملة طويلة.
في أماكن أخرى، جاء انتصار غانا 5-0 على جمهورية إفريقيا الوسطى ليقربها من عودتها، واستمرت الرأس الأخضر في مسعاها للتأهل لأول مرة، وحافظ الكاميرون على نسق الفوز بانتصار 2-0 على موريشيوس.
إفريقيا تنهض من جديد، لكن لا قصة تبدو أكثر حتمية من قصة صلاح.
بالنسبة لمصر، التأهل هو انتصار. أما بالنسبة لـصلاح، فهو ختام — وربما، بداية. لأن ملوك كرة القدم لا يزمجرون دائمًا عند عودتهم. أحيانًا، ينهضون بهدوء، ويجعلون العالم يراقبهم مرة أخرى.